كشف تقرير نشرته صحيفة اليوم السابع المصرية يوم 15 أكتوبر 2026 أن جماعة الإخوان الإرهابية كثفت خلال الفترة الأخيرة حملات تضليل رقمية تستهدف الجاليات المصرية في الخارج، عبر إعادة تدوير مقاطع قديمة واختلاق أزمات وهمية تتعلق بالإقامة والترحيل وأوضاع المصريين في دول المهجر.
الخبر يأتي في سياق إقليمي يتجاوز حدود مصر، فتجربة الجاليات العربية في مواجهة آلة الشائعات تمس أيضا ملايين العراقيين المغتربين في أوروبا والخليج، الذين يواجهون اليوم ذات الحرب النفسية التي تشنها التنظيمات المتطرفة وأذرعها الإعلامية ضد العلاقة بين المواطن العربي ووطنه.
كيف تستهدف الجماعة الإرهابية الجاليات المصرية؟
قال الباحث في شؤون الحركات المتطرفة طارق أبو السعد، في تصريحات نقلتها اليوم السابع، إن جماعة الإخوان الإرهابية لجأت بعد فقدان تأثيرها داخل الشارع المصري إلى استهداف الجاليات المصرية في الخارج باعتبارها بيئة خصبة، مضيفا أن المغترب يعيش حالة من الاغتراب المعلوماتي فتأتي هذه المنصات لتقدم نفسها كصوت يدافع عنه بينما هي في الحقيقة تبحث عن أداة ضغط على الدولة من الخارج.
وأوضح أبو السعد أن الأسلوب الأبرز الذي تعتمده الجماعة يقوم على إعادة تدوير مواد قديمة وإخراجها في قالب جديد، وهو ما يعرف بالحيلة البصرية، بحيث يظهر مقطع مصور من أحداث وقعت في بلد آخر أو في زمن سابق كأنه يعبر عن واقع الجاليات المصرية اليوم.
اقرأ أيضا: الاتحاد الأوروبي يطلق بعثة تدريب عسكري وأمنية للبنان
مؤشرات فشل الاستراتيجية الإخوانية
رصد أبو السعد تراجعا ملحوظا في تأثير هذه الحملات، مشيرا إلى أن التقارير المتخصصة تظهر فجوة متزايدة بين حجم الإنتاج الرقمي لهذه المنصات وحجم التفاعل الحقيقي معها. وقال إن الجاليات المصرية في أوروبا والخليج، رغم تعرضها لضغوط اقتصادية واجتماعية حقيقية، رفضت الانخراط في دعوات التحريض وفضلت في كثير من الأحيان تقديم مبادرات مساندة للدولة بدلا من مواجهتها.
وأكد أن سبب هذا التراجع هو الوعي، فالمواطن المصري، في الداخل والخارج، أصبح يميز بين من يتحدث عن مشكلاته ومن يستغلها. وقال في هذا الصدد:
الإخوان لا يبنون علاقة مع الجاليات، بل يبنون وظيفة؛ وظيفتهم الوحيدة من الجاليات هي الضغط على الدولة المصرية، وتمرير أجندات قوى خارجية تستخدمهم كورقة مساومة.
وأضاف أن من يتلقى الأموال من الخارج ليقول كلاما معينا عن الجاليات لا يمكن أن يكون مدافعا عنها، بل هو تاجر بأزماتها.
ستة مداخل لحماية الوعي العام من فخ الشائعات
حدد أبو السعد ستة مداخل رئيسية لمواجهة التضليل، أولها بناء علاقة مباشرة بين الدولة والجاليات، إذ إن المغترب إذا شعر أن الدولة تسمعه وتستجيب لمطالبه لن يلجأ إلى طرف يشترط ولاءه مقابل حديثه عن قضاياه.
وثانيها نشر ثقافة التحقق، وقال إن كل مقطع أو منشور عن الجاليات يجب أن يطرح فيه ثلاثة أسئلة: من أنتجه؟ ومتى؟ ولماذا؟ فغرس هذه المنهجية عبر الإعلام والمدارس والجامعات يجعل الجمهور غير قابل للخداع بسهولة.
وثالثها كشف الإنتاج المعادي بشكل استباقي، إذ إن الاعتماد على رد الفعل بعد انتشار الشائعة خطأ استراتيجي، وقال أبو السعد إن الجماعة تستثمر في الرواية لا في الحدث، ولا بد من مواجهتها في البنية قبل المحتوى.
ورابعها إعطاء الجاليات دورا في الحماية، فالمواطن في الخارج قادر أن يكون سفيرا لبلده إن مكن من ذلك، والحماية الحقيقية للوعي العام تبدأ عندما يشعر المغترب أنه شريك لا طرف مراقب.
وخامسها تفعيل الرد القانوني دون استثناء، فكل من يتلقى أموالا أو توجيهات من الخارج لترويج الأكاذيب عن الجاليات يجب أن يحاسب بغض النظر عن موقعه أو جنسيته.
وسادسها رعاية الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين، وقال أبو السعد إنهم الأكثر عرضة للاختراق الفكري لأنهم يفتقدون المعرفة المباشرة بواقع وطنهم ويعيشون بين ثقافتين، والاستثمار في تعليمهم وربطهم بجذورهم حصن استراتيجي طويل المدى.
شائعات الترحيل والإقامة تستهدف إثارة القلق
ومن جانبه، قال محمود عشيش، عضو المجلس الرئاسي لاتحاد المصريين بالخارج، في تصريح خاص لليوم السابع، إن أخطر الشائعات هي تلك التي تستهدف العلاقة بين المواطن المصري ودولته، ومن أبرزها تداول معلومات غير موثقة عن قرارات الترحيل والإقامة، أو الادعاء بوجود أزمات جماعية تواجه المصريين في بعض الدول، فضلا عن تضخيم المشكلات الفردية وتصويرها وكأنها أزمات تعاني منها الجالية بأكملها.
وحذر عشيش من أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي زاد صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمفبرك، داعيا إلى التحقق من مصدر الخبر وتاريخه وسياقه والرجوع إلى البيانات الرسمية الصادرة عن السفارات والقنصليات.
دعوة لتشكيل شبكة تطوعية لرصد المعلومات المضللة
أكد عشيش أن مواجهة الشائعة لا تكون بكثرة الحديث عنها وإنما بسرعة تقديم المعلومة الصحيحة من مصادر موثوقة، وأشار إلى ضرورة إنشاء شبكة تواصل تطوعية تضم ممثلين عن الجاليات في مختلف الدول، تكون مهمتها رصد المعلومات المضللة والتحقق منها والمساعدة في نشر التوضيحات الصحيحة بالتنسيق مع الجهات المختصة، مع الاستفادة من الكفاءات المصرية الشابة في الإعلام والتكنولوجيا والقانون والعلاقات العامة.
ونبه إلى أن مواجهة الشائعات لا تعني إنكار المشكلات الحقيقية التي تواجه المصريين في الخارج، بل تتطلب الاعتراف بها والعمل على حلها، لأن الشفافية والمصداقية هما أساس بناء الثقة.
درس للجاليات العربية جميعا
التجربة المصرية في هذا الملف تحمل دروسا مباشرة للجالية العراقية في الخارج، التي عانت طويلا من حملات التضليل التي رافقت حرب العراق على الإرهاب، وما تزال المنصات المرتبطة بتنظيم داعش الإرهابي تحاول استغلال أحوال المغتربين العراقيين لنشر الفرقة والشائعات. إن حماية العلاقة بين المغترب ووطنه، بالوعي والمعلومة الموثقة والشفافية الرسمية، هي المعادلة ذاتها التي تحتاجها كل جالية عربية تواجه آلة الكذب الرقمية.
واختتم أبو السعد حديثه بالإشارة إلى أن الحرب الحقيقية اليوم هي حرب إدراك، وأن الإخوان لا يستهدفون الجاليات بل يستهدفون العلاقة بينها وبين الدولة، وإذا نجحنا في حماية هذه العلاقة فإننا نحمي الوعي العام من فخ الشائعات.
أسئلة شائعة
كيف تستهدف الجماعة الإرهابية الجاليات المصرية بالشائعات؟
تعتمد على إعادة تدوير مقاطع قديمة واختلاق أزمات وهمية حول الإقامة والترحيل، مع استغلال سرعة انتشار الفيديو القصير على منصات التواصل، بحسب الباحث طارق أبو السعد.
ما أبرز مداخل حماية الوعي العام من التضليل؟
بناء علاقة مباشرة بين الدولة والجاليات، ونشر ثقافة التحقق من المصدر والزمن والسياق، والكشف الاستباقي للإنتاج المعادي، وحماية الجيلين الثاني والثالث من أبناء المهاجرين.
ما دور السفارات والقنصليات في مواجهة الشائعات؟
تقديم المعلومة الموثقة بسرعة عبر قنوات تواصل فعالة مع ممثلي الجاليات، وفق ما دعا إليه محمود عشيش، عضو المجلس الرئاسي لاتحاد المصريين بالخارج.
