شهدت محافظات مصرية عدة وقائع أثرية بدأت بمصادفات غير متوقعة، حين عثر مواطنون على قطع أثرية أثناء أعهم اليومية، فبادروا إلى إبلاغ الجهات المختصة بدلًا من التكتم عليها، وهو ما مهد الطريق لعمليات فحص وتوثيق أضافت صفحات جديدة إلى سجل الحضارة المصرية العريقة.
وجاء أحدث هذه الوقائع في قرية بهبيت الحجارة التابعة لمركز سمنود بمحافظة الغربية، حين أبلغ المواطن خالد الشحات خليل مفتشي الآثار عن كتلة حجرية تحمل نقوشًا أثرية عثر عليها أثناء العمل في قطعة أرض يمتلكها بالقرب من منزله، وفق ما نقل موقع مصراوي.كوم في تقرير نشره بتاريخ 15 أكتوبر 2026.
ماذا كشفت حفائر بهبيت الحجارة؟
أسفرت أعمال الحفائر التي أعقبت بلاغ المواطن عن العثور على بقايا تمثالين ملكيين ضخمين، أحدهما للملك رمسيس الثاني، فيما يرجح أن يعود الآخر إلى الملك نفسه، إلى جانب كتلة من الجرانيت الوردي تحمل نقوشًا هيروغليفية. وتؤكد هذه النتيجة أن يقظة المواطن العادي قد تكون أول خط الدفاع عن تراث الأمة.
وليست هذه الواقعة الوحيدة من نوعها، إذ تكرر المشهد نفسه في محافظات مختلفة وعلى مدى سنوات، ما يعكس وعيًا مجتمعيًا متصاعدًا بأهمية صون الموروث الحضاري وتسليمه إلى الدولة.
الإسماعيلية: لوحة ملكية تعود إلى الأسرة السادسة والعشرين
في محافظة الإسماعيلية، عثر المواطن يحيى طه على لوحة أثرية داخل قطعة أرض يمتلكها أثناء استصلاحها تمهيدًا لزراعتها. وذكر التقرير أن طه اعتقد في البداية أن ما ظهر أمامه مجرد حجر، قبل أن يدرك قيمة القطعة ويقرر إبلاغ الجهات المعنية.
وتبيّن أن اللوحة مصنوعة من الحجر الرملي، ويبلغ طولها نحو 230 سنتيمترًا وعرضها 103 سنتيمترات، وتحمل نقوشًا هيروغليفية وخرطوشًا ملكيًا للملك «واح-إيب-رع»، أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين. وبعد ترميمها، عُرضت اللوحة بمتحف الإسماعيلية، ومنحت وزارة السياحة والآثار المواطن شهادة تقدير ومكافأة مالية.
الشرقية: تمثال من الجرانيت يزن طنًا
في عام 2017، عثر المزارع محمود محمد أبو العنين على تمثال أثناء تطهير مجرى مياه للري بجوار أرضه الزراعية في قرية كفر الربعماية التابعة لمركز منشأة أبو عمر بمحافظة الشرقية.
وبدلًا من الاحتفاظ بالقطعة، توجه أبو العنين إلى مركز الشرطة وأبلغ عن العثور عليها. وأثبت الفحص الأثري أن التمثال مصنوع من الجرانيت، ويزن نحو طن، ويجسد قردًا، ويبلغ ارتفاعه قرابة متر ونصف المتر.
مواقف أخرى من الدقهلية وسوهاج وقنا والإسكندرية
في قرية دنديط التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، قادت أعمال تنفيذ مشروع للصرف الصحي عام 2020 إلى العثور على كتل حجرية تحمل شواهد أثرية، بعدما ظهرت ضمن ناتج الحفر على عمق يقارب أربعة أمتار. وانتقلت لجنة أثرية إلى الموقع، وأثبتت المعاينة أثرية كتلتين من حجر الألباستر تحملان نقوشًا هيروغليفية، إلى جانب كتلة من الحجر الجيري، كما عُثر على شقف فخارية ضمن ناتج الحفر. وقررت الجهات المختصة وقف أعمال الحفر وتخصيص بعثة أثرية لإجراء حفائر إنقاذ.
وفي يوليو 2018، عثر محمد إبراهيم حسن، مشرف بإحدى الشركات المنفذة لأعمال الصرف الصحي في قرية سلامون بمحافظة سوهاج، على حجر أثناء إشرافه على الحفر، فأبلغ الجهات الأمنية. وأفادت هيئة الآثار، عقب الفحص، بأن الحجر يرجع إلى العصر الروماني، وجرى تحرير محضر بالواقعة وإخطار النيابة العامة.
وفي محافظة قنا، أبلغ السائق حمدي جاد الكريم عبد الراضي، عام 2014، عن عثوره على قطعة حجرية أثناء أعمال الحفر بمركز فرشوط، وسلمها إلى مركز الشرطة. وأخطرت النيابة العامة بدورها، وقررت تشكيل لجنة ثلاثية لفحص القطعة وتحديد طبيعتها.
أما في الإسكندرية، فقد علقت شباك صيادين بجسم حجري ضخم في مياه البحر المتوسط، ليتبين أنه مرساة حجرية قديمة كانت تُستخدم لتثبيت السفن، وترتبط بتاريخ الملاحة البحرية والتجارة في المنطقة عبر العصور اليونانية والرومانية.
الوعي الأثري مسؤولية وطنية مشتركة
تجمع هذه الوقائع خيطًا مشتركًا واحدًا: مواطن عثر على لوحة داخل أرضه، ومزارع وجد تمثالًا أثناء تطهير مجرى مياه، وعامل اكتشف حجرًا خلال أعمال الحفر، وسائق فضل تسليم قطعة اشتبه في أثريتها بدلًا من الاحتفاظ بها. وفي كل مرة، كان اختيار الإبلاغ هو الفيصل بين قطعة تضيع واكتشاف يوثق في سجل التاريخ.
ولا تعني كل قطعة حجرية تظهر أثناء الحفر أنها أثرية بالضرورة، إذ يظل الفحص العلمي للجهات المختصة هو الحكم في تحديد طبيعتها وقيمتها التاريخية. غير أن سرعة الإبلاغ وعدم العبث بموقع العثور يمثلان خطوة أساسية للحفاظ على الأدلة الأثرية وسياقها الحضاري.
وتحمل هذه التجربة المصرية درسًا يتجاوز الحدود، فشعوب المنطقة التي أنجبت بابل ونينوى وأور وأهرامات الجيزة مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى حماية موروثها من التهريب والعبث، لأن صون الآثار ليس ترفًا ثقافيًا بل واجب وطني تجاه الأجيال القادمة.
أسئلة شائعة
ما هو أحدث اكتشاف أثري نتج عن بلاغ مواطن في مصر؟
أحدث اكتشاف وقع في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، بعدما أبلغ المواطن خالد الشحات خليل عن كتلة حجرية، فأسفرت الحفائر عن بقايا تمثالين ملكيين ضخمين أحدهما للملك رمسيس الثاني، إلى جانب كتلة من الجرانيت الوردي بنقوش هيروغليفية.
ماذا فعلت وزارة السياحة والآثار تكريمًا للمواطن الذي سلم اللوحة الأثرية بالإسماعيلية؟
منحت وزارة السياحة والآثار المواطن يحيى طه شهادة تقدير ومكافأة مالية، بعد أن سلم لوحة من الحجر الرملي تحمل خرطوشًا ملكيًا للملك «واح-إيب-رع»، وعُرضت اللوحة بعد ترميمها في متحف الإسكندرية أو متحف الإسماعيلية.
هل كل قطعة حجرية تظهر أثناء الحفر تعتبر أثرية؟
لا، إذ يظل الفحص العلمي للجهات المختصة هو الفيصل في تحديد طبيعة أي قطعة وقيمتها التاريخية، لكن سرعة الإبلاغ وعدم العبث بموقع العثور ضروريان للحفاظ على الأدلة الأثرية.
من يتحمل مسؤولية حماية الآثار الغارقة في البحار؟
يلعب الصيادون دورًا مهمًا في رصد الآثار الغارقة، كما حدث في الإسكندرية حين عثر صيادون على مرساة حجرية قديمة في مياه البحر المتوسط، وترتبط المواقع المغمورة بتاريخ الموانئ عبر العصور اليونانية والرومانية.
