وقف الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا أمام قبور مهاجرين مجهولين في مقبرة سيدي امبارك بمدينة سبتة، في مشهد تزامن مع زيارة رسمية للمدينتين المحتلتين، وأعاد إلى الواجهة أسئلة السيادة والذاكرة الكولونيالية وسياسات الحدود الأوروبية التي حوّلت البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة مفتوحة.
الزيارة، التي نقلتها وكالة هسبريس، حملت رسالتين متعارضتين في وقت واحد: رسالة إنسانية بالتعاطف مع ضحايا الهجرة، ورسالة سياسية بتأكيد السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، وهما المدينتان اللتان تعتبرهما الرباط امتداداً لمجالها الترابي وموروثاً من السيطرة الأجنبية.
دموع فوق قبور بلا أسماء
المقبرة التي وقف أمامها العاهل الإسباني لا تحمل كثير من شواهدها أسماء أصحابها، بل أرقاماً باردة تختزل حيوات كاملة. وراء كل رقم إنسان كان يحمل اسماً ووجهاً وأماً تنتظره، وربما طفلاً كان يحلم بعودة أبيه محملاً بهدايا صغيرة من أوروبا.
وهنا تبرز المفارقة التي رصدتها هسبريس: أوروبا التي تمنح الإنسان اسماً وحقوقاً عندما يصل إليها وفق شروطها، قادرة على أن تتركه رقماً مجهولاً عندما يموت في محاولة الوصول إليها.
لم تكن زيارة الملك مجرد مواساة لسكان المدينتين أو تضامن مع عائلات الراحلين، بل كانت أيضاً إعلاناً رمزياً لتثبيت السيادة، بعد أن شدد فيليبي السادس على أن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية غير قابلة للتفاوض.
سبتة ومليلية: التاريخ حين يتحول إلى سور
خضعت سبتة للاحتلال البرتغالي سنة 1415 قبل انتقالها إلى التاج الإسباني، بينما دخلت مليلية تحت السيطرة القشتالية سنة 1497. وتستند إسبانيا إلى هذا الامتداد التاريخي وإلى وضع المدينتين في نظامها الدستوري لتأكيد سيادتها، في حين ينطلق الموقف المغربي من اعتبار وجودهما استمراراً لوضع تاريخي لم تُحسم آثاره.
هذا النزاع لا يشبه قانونياً جميع قضايا تصفية الاستعمار التي عرفها العالم، لكنه يطرح بشدة مشروعية النقاش التاريخي والسياسي حول وضع المدينتين، ولا يمنع البحث عن أفق تفاوضي سلمي لمعالجة الخلاف.
المفارقة أن إسبانيا التي تستحضر حقها في المدينتين انطلاقاً من تاريخ طويل من السيطرة والإدارة، تجد صعوبة في التعامل مع التاريخ نفسه حين ينظر إليه الآخرون باعتباره تاريخ اقتطاع واحتلال.
مأساة الحدود ليست حادثة عابرة
لا يمكن اختزال مأساة الحدود في حادثة واحدة، ففي يونيو 2022 شهد محيط مليلية فاجعة خلّفت، بحسب تحقيقات منظمة العفو الدولية، ما لا يقل عن 37 قتيلاً فضلاً عن عشرات المفقودين. وتحدثت المنظمة عن استعمال مفرط وغير مشروع للقوة وعن إخفاقات في تقديم المساعدة الطبية، وطالبت السلطات الإسبانية بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
هذه الوقائع تضع الزيارة الملكية أمام اختبار حقيقي: احترام الموتى يبدأ باحترام الأحياء، والوفاء للضحايا لا يتحقق بوضع الزهور أو الوقوف في صمت، وإنما بكشف الملابسات وتحديد المسؤوليات وضمان ألا تتحول الحدود إلى آلة متكررة لإنتاج المآسي.
الاستعمار لا يغادر عندما تطوى خرائطه
الاستعمار لم يكن احتلالاً عسكرياً للأراضي فحسب، بل كان إعادة تشكيل للاقتصاد والجغرافيا والعلاقات الاجتماعية، وربطاً غير متكافئ بين المركز والأطراف. ولم تنتهِ آثار تلك البنيات بمجرد استقلال البلدان المستعمرة، بل استمرت بعض اختلالاتها في أشكال جديدة من التبعية الاقتصادية والتفاوت في شروط التبادل والتكنولوجيا والاستثمار.
صحيح أن أزمات الجنوب الراهنة لا يمكن تحميلها للاستعمار وحده، فهناك مسؤوليات جسيمة تتحملها نخب محلية من فساد وسوء توزيع للثروة وضعف في التنمية، غير أن الاعتراف بهذه المسؤوليات لا يلغي حقيقة أن البلدان الإفريقية دخلت مرحلة ما بعد الاستعمار وهي تحمل أعباء تاريخية لم تكن متساوية مع ما ورثته الدول الأوروبية من تراكم للثروة والمؤسسات والقوة.
وهنا يظهر أحد أكثر وجوه النظام الدولي المعاصر تناقضاً: يدافع عن حرية حركة الرساميل والسلع، لكنه يفرض على حركة البشر نظاماً بالغ الانتقائية، تحدد فيه قيمة جواز السفر جزءاً كبيراً من فرص الإنسان في الحياة.
أوروبا التي تحرس أبوابها وتحتاج إلى القادمين إليها
يستحيل فهم الهجرة المعاصرة بعيداً عن التناقضات الديموغرافية والاقتصادية التي تعيشها القارة الأوروبية نفسها. أوروبا التي تشدد قوانين الهجرة تحتاج قطاعات واسعة من اقتصاداتها إلى العمالة الوافدة في الفلاحة والبناء والخدمات والرعاية الصحية، كما أن عدداً من مجتمعاتها يواجه شيخوخة سكانية تطرح أسئلة متزايدة حول مستقبل سوق العمل وأنظمة الحماية الاجتماعية.
لكن الحاجة الاقتصادية إلى المهاجر لم تتحول إلى اعتراف سياسي كامل بكرامته، فقد يُستقبل باعتباره قوة عمل مطلوبة، بينما يُعامل في الخطاب الانتخابي والإعلامي بوصفه عبئاً أو خطراً أو منافساً على الخدمات العمومية.
الاتحاد الأوروبي لا يكتفي ببناء منظومته الحدودية داخل أراضيه، بل يوسع التعاون مع دول الجوار للحد من تدفقات الهجرة قبل وصولها إلى الحدود الأوروبية، وتصبح بلدان الجنوب شريكة في تدبير الحدود الخارجية لأوروبا عبر اتفاقيات أمنية وتمويلات وبرامج مراقبة وإعادة قبول.
يخافون المهاجر الحي ويكرّمون الميت
ربما كان هذا هو السؤال الأكثر إيلاجاً في مشهد مقبرة سيدي امبارك: لماذا يبدو المهاجر في بعض الخطابات الأمنية خطراً عندما يحاول الوصول، ثم يتحول إلى موضوع للتعاطف عندما يستقر جسده تحت التراب؟
في حياته يُطلب منه إثبات حقه في العبور وتُفحص أوراقه وبصماته وجنسيته وأسباب رحيله، أما في موته فيختفي هذا التعقيد كله وتصبح إنسانيته فجأة واضحة لا تحتاج إلى وثائق.
الأشد قسوة أن بعض الضحايا لم تُعرف هوياتهم أصلاً، أي إن نظاماً بالغ الدقة في مراقبة الأجساد العابرة عجز بعد الكارثة عن إعادة الأسماء إلى أصحابها. تتحول تلك الأرقام المنقوشة على القبور إلى وثيقة إدانة لعالم جعل بعض البشر قابلين للاختفاء دون أن يتركوا وراءهم سوى رقم.
وتزداد المفارقة حدة عندما نعلم أن أطفالاً ومراهقين ممن نجحوا في الوصول إلى سبتة ظلوا، بعد أزمة الصيف، يعيشون في ظروف هشة، بعضهم بلا مأوى ملائم. فأي معنى لكرامة الميت إذا لم تصبح حماية الطفل الحي أولوية لا تقبل التأجيل؟
لا براءة للشمال ولا إعفاء للجنوب
الإنصاف الفكري يقتضي ألا يتحول نقد الاستعمار الأوروبي إلى وسيلة لإعفاء دول الجنوب من مسؤولياتها. الشباب الذين يغامرون بأرواحهم للوصول إلى أوروبا لا يهربون من التاريخ الاستعماري وحده، بل يهرب بعضهم أيضاً من حاضر اجتماعي لا يمنحهم ما يكفي من الأمل.
الحق في الهجرة لا ينبغي أن يحجب حق الإنسان في ألا يُضطر إلى الهجرة. وهذا يعني أن مسؤولية البلدان الإفريقية، ومنها المغرب، تتمثل في بناء شروط العيش الكريم داخل أوطانها وتوسيع فرص التعليم والعمل والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والتفاوتات التي تجعل الرحيل يبدو أحياناً الخيار الوحيد.
كما أن التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة لا ينبغي اختزاله في المقاربة الأمنية، بقدر ما يجب أن يمتد إلى التنمية المشتركة وتسهيل التنقل القانوني وحماية القاصرين واحترام حقوق طالبي اللجوء ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.
هل تستطيع إسبانيا أن تتصالح مع تاريخها؟
أحرزت إسبانيا المعاصرة تحولات ديمقراطية عميقة، وراكم مجتمعها المدني تجارب مهمة في نقد السلطة والدفاع عن الحريات. ولا يجوز اختزال الشعب الإسباني في ماضي الإمبراطورية، أو اعتبار جميع الإسبان مسؤولين عن خطايا الاستعمار، فداخل إسبانيا نفسها أصوات حقوقية وفكرية تطالب بمراجعة سياسات الهجرة وتندد بالعنف الحدودي.
النقد الحقيقي لا يتوجه إلى هوية الشعب الإسباني، بقدر ما يستهدف استمرار بعض البنيات والتصورات التي تجعل العلاقة مع الجنوب محكومة بهاجس السيطرة أكثر من منطق الشراكة المتكافئة.
المصالحة مع التاريخ لا تعني محاكمة الأبناء على أفعال الأجداد، وإنما تعني رفض تحويل نتائج تلك الأفعال إلى مقدسات سياسية لا يجوز الاقتراب منها. وإذا كانت إسبانيا تريد أن تجعل من زيارة الملك إلى قبور المهاجرين لحظة أخلاقية ذات معنى، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر سياسات أكثر عدلاً ومراجعة أكثر شجاعة للذاكرة الاستعمارية واستعداد أكبر للاستماع إلى أسئلة الجوار المغربي والإفريقي.
وتبقى القبور المرقمة في سبتة تقول ما لا تستطيع الخطب الملكية قوله: إن الحدود التي تحتاج إلى كل هؤلاء الموتى كي تثبت صلابتها، تستحق أن تُساءَل أخلاقياً قبل أن تُحصَّن سياسياً.
أسئلة متكررة
متى زار الملك الإسباني فيليبي السادس مقبرة سيدي امبارك في سبتة؟
جاءت الزيارة في أكتوبر 2026، ضمن زيارة رسمية إلى سبتة ومليلية، ونقلت تفاصيلها وكالة هسبريس.
لماذا تعتبر سبتة ومليلية نقطة خلاف بين المغرب وإسبانيا؟
تعتبر إسبانيا المدينتين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها استناداً إلى تاريخ سيطرتها عليهما ووضعهما الدستوري، بينما يعتبرهما المغرب امتداداً لمجاله الترابي وموروثاً من السيطرة الأجنبية.
كم بلغ عدد ضحايا فاجعة مليلية سنة 2022؟
بحسب تحقيقات منظمة العفو الدولية، خلّفت الفاجعة ما لا يقل عن 37 قتيلاً فضلاً عن عشرات المفقودين، مع حديث عن استعمال مفرط للقوة وإخفاقات في المساعدة الطبية.
ما الذي تطالب به منظمات حقوقية بعد هذه الوقائع؟
تطالب بكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وفتح تحقيقات مستقلة في ظروف وفاة المهاجرين، وضمان ألا تتحول الحدود إلى آلة متكررة لإنتاج المآسي.
