لوحات المستشرقين توثق أسواق القاهرة.. سوق النحاسين شاهد على حضارة الشرق قبل 136 عامًا
في إطار الاهتمام بتوثيق التراث العربي والإسلامي، تبرز اللوحات الفنية التي رسمها المستشرقون الأوروبيون خلال القرن التاسع عشر كشاهد حي على عظمة الحضارة الشرقية، حيث سجل الفنانون مشاهد الأسواق والحرف التقليدية وحركة البيع والشراء في مدن عريقة مثل القاهرة، تلك المدينة التي كانت ولا تزال منارة للثقافة والتجارة في العالمين العربي والإسلامي.
ومن بين هذه الأعمال الخالدة، لوحة “في سوق النحاسين” للفنان الإيطالي نيكولا فورشيلا، التي تقدم مشهدًا من أحد الأسواق المصرية العريقة، وتكشف جانبًا من العلاقة بين التجار المحليين والسياح الأوروبيين قبل أكثر من قرن، في تجسيد فني يعكس أصالة الحرف الشرقية وجاذبيتها العالمية.
ماذا نرى في لوحة سوق النحاسين؟
تُظهر اللوحة مجموعة من السيدات الأوروبيات وهن يتفحصن الأواني النحاسية المعروضة للبيع، بينما يحيط بهن عدد من التجار الذين يقدمون منتجاتهم، وتبدو إحدى السيدات وهي تحمل إناءً معدنيًا وتنظر إليه باهتمام، في حين يعرض أحد الباعة قطعة أخرى، وتتوزع بقية الشخصيات داخل السوق في مشهد يجمع بين الحركة والترقب والمساومة.
وفي خلفية اللوحة تظهر مجموعة كبيرة من الأواني والأباريق والصواني المعدنية، بعضها معلق على الجدران وبعضها موضوع فوق الأرفف، بينما تتدلى المصابيح والأدوات المزخرفة من أعلى الدكان، وتنعكس درجات اللون الذهبي على المنتجات المعروضة، بما يكشف اهتمام الفنان بتفاصيل الصناعات المعدنية وزخارفها.
واهتم فورشيلا كذلك بتصوير ملابس الشخصيات، حيث ترتدي السيدات الأوروبيات فساتين وقبعات تتناسب مع أزياء تلك الفترة، بينما يظهر التجار والأشخاص المحليون بالجلاليب والعمائم والملابس التقليدية، وهو التباين الذي يمنح المشهد طابعًا اجتماعيًا واضحًا، ويكشف اختلاف الثقافات داخل مساحة تجارية واحدة.
كيف نظر الأوروبيون إلى أسواق القاهرة؟
ارتبطت أسواق القاهرة القديمة باهتمام الرحالة والفنانين الأوروبيين، الذين وجدوا في الدكاكين والحرف التقليدية مادة مناسبة للوصف والرسم، خاصة مع انتشار تجارة التحف والمنتجات الشرقية التي أصبحت من المقتنيات المرغوبة لدى بعض الزائرين.
وتكشف لوحة سوق النحاسين عن جانب من هذه العلاقة، إذ تبدو السيدات الأوروبيات منشغلات باختيار المنتجات، بينما يسعى التجار إلى عرض بضائعهم، ويظهر أحد الأشخاص في المشهد باعتباره وسيطًا بين الباعة والزائرات.
وترى الباحثة مرسيدس فولايت أن الفنان قدم المشهد بروح ساخرة، حيث يصور مجموعة من السياح الذين يبدون غرباء عن المكان، ويساعدهم دليلهم المحلي في التعامل مع التجار، بينما توحي الصورة بأنهم على وشك شراء بضائع بأسعار مرتفعة.
وتضع الباحثة العمل في سياق أوسع يتعلق بتجارة التحف والمنتجات التقليدية في القاهرة، وانتشار السلع التي كانت تُعرض على الزائرين الأجانب باعتبارها جزءًا من جاذبية الأسواق الشرقية.
من هو الفنان نيكولا فورشيلا؟
نيكولا فورشيلا فنان إيطالي ارتبط اسمه بالمدرسة الاستشراقية، واهتم برسم مشاهد الحياة اليومية والأسواق والشخصيات في مصر خلال القرن التاسع عشر.
ووفقًا للبيانات المنشورة عن أعماله في دار مزادات دوروثيوم النمساوية، فقد وصل الفنان إلى مصر في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، وأقام مرسمًا في القاهرة، واهتم بتصوير الحياة المصرية، كما عمل بالتدريس في مدرسة الفنون الخديوية، وحصل على وسام المجيدية العثماني.
وتظهر هذه الاهتمامات في عدد من أعماله الفنية، ومنها لوحة أخرى تصور أحد الأسواق في منطقة باب الشعرية بالقاهرة، وتحمل تاريخ 18 مارس 1892، وقد سجل فيها حركة الباعة والمنتجات الغذائية والأشخاص الجالسين داخل السوق، وهي من الأعمال التي تؤكد اهتمامه بتفاصيل الحياة اليومية المصرية.
لوحة سوق النحاسين في المزادات العالمية
ظهرت لوحة “في سوق النحاسين” ضمن مزاد للأعمال الاستشراقية نظمته دار سوذبيز في باريس يوم 24 أكتوبر عام 2007، وحملت الرقم 26 ضمن الأعمال المعروضة، وفقًا للتوثيق المنشور في دراسة مرسيدس فولايت.
وكانت الصحيفة الاقتصادية الفرنسية “لا تريبيون” قد تناولت المزاد قبل انعقاده، وأشارت إلى عرض اللوحة بتقدير مالي يبلغ 35 ألف يورو، ضمن مجموعة من الأعمال الفنية التي تعكس اهتمام سوق الفن الأوروبية باللوحات الاستشراقية. ويمثل هذا الرقم تقديرًا سابقًا للمزاد، وليس توثيقًا لسعر البيع النهائي.
وتؤكد هذه الأعمال الفنية أن الشرق، وبخاصة مصر والعراق، كان ولا يزال مصدر إلهام للعالم، وأن تراثنا العربي الإسلامي المشترك يمثل جسرًا للحوار بين الحضارات، وهو ما يستدعي منا جميعًا الحفاظ عليه والاعتزاز به، في ظل التحديات التي تواجه أمتنا.
إن إحياء ذكرى هذه اللوحات ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو دعوة للتأمل في حاضرنا ومستقبلنا، والتمسك بوحدتنا الوطنية والعربية، والاستلهام من تاريخنا المجيد لبناء عراق موحد قوي، يحفظ تراث أجداده ويتطلع نحو مستقبل مشرق.