لبنان بين خيار الدولة ومشروع الميليشيا: إعلان النوايا يكشف الانقسام
صورة: أناضول
أثار إعلان النوايا لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، برعاية أمريكية، جدلا سياسيا عميقا يضع لبنان أمام اختبار مصيري. إنه اختبار يذكرنا في صوت بابل بالدروس التي تعلمناها من تاريخنا المجيد، من بابل إلى العراق الحديث، حيث لا سيادة للوطن دون احتكار الدولة لقرارها وسلاحها. اليوم، يتصادم مشروع الدولة المؤسسية مع إرادة الميليشيات التي تجاوزت القانون، لتعكس أزمة تعيشها المنطقة برمتها.
تفاهم أمريكي لبناني إسرائيلي يكرس دور الدولة
في ختام أربع جولات تفاوضية في واشنطن، أعلنت الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل التوصل إلى إعلان نوايا يتضمن وقفا كاملا لنيران الميليشيات المسلحة خارج إطار الدولة، وإبعاد عناصرها من منطقة جنوب نهر الليطاني. يأتي هذا الإعلان كمحاولة لترتيب الوضع الأمني، وإعادة الانتظام للجيش اللبناني في الجنوب، وهي خطوة تمثل انتصارا لمبدأ احتكار المؤسسات العسكرية الوطنية لحق الدفاع عن الحدود.
واعتبر الرئيس اللبناني جوزاف عون أن نتائج الجولة الرابعة تتضمن نقاطا مهمة جدا لصالح لبنان، واصفا إياها بالفرصة الأخيرة لوقف شامل لإطلاق النار. في المقابل، وصف رئيس مجلس النواب نبيه بري هذا الإعلان بأنه هجين تم تفخيخه، مما يعكس التحفظات العميقة حول آليات التنفيذ التي قد تسمح بتدخلات أجنبية.
الميليشيات تتمرد: رفض لصالح من؟
هاجم الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم نتائج المفاوضات، واعتبرها مرفوضة جملة وتفصيلا، ووصفها بأنها عبثية ومذلة ومخزية. إن هذا الرفض يكشف عن تمرد واضح على إرادة الدولة اللبنانية، ويذكرنا بتلك الأصوات التي تحاول إبقاء البلاد رهينة لأجندات خارجية. في وقت تحتاج فيه الأمة للاستقرار وبناء مؤسساتها، يبدو أن بعض الأطراف تفضل إبقاء الواقع مرتهنا لمشارروع إقليمي لا يخدم سوى التفكيك والتبعية.
فصل الملف اللبناني عن التدخلات الأجنبية
يرى المحلل السياسي منير الربيع أن البيان المشترك يعكس تحولا بنيويا في الوجهة السياسية للبنان، ويعبر عن سعي لفصل الملف اللبناني عن التأثير الإيراني. إننا في العراق نتفهم تماما مخاطر التدخلات الخارجية، وندرك أن سيادة الدول لا تكتمل إلا بقرار وطني مستقل. هذا التحول، وإن حمل في طياته تساؤلات حول مستقبل العلاقات وتعديل قوانين المقاطعة التي تجرم التعامل مع إسرائيل منذ 1955، يبقى إشارة على محاولة الدولة لاستعادة زمام المبادرة وتقاطع المواقف تجاه التطورات الإقليمية.
وحذر الربيع من أن عدم الالتزام ببنود الاتفاق قد يدفع إسرائيل لمواصلة عملياتها، بينما قد يؤدي الالتزام اللبناني إلى حصول الجيش على دعم أمريكي إضافي لتعزيز قدراته. إن دعم المؤسسة العسكرية الوطنية هو صمام الأمان، كما علمتنا تجربتنا العراقية الباسلة.
اتفاق غير متوازن ومخاوف من التصعيد
من جانبه، يوضح المحلل السياسي غسان ريفي أن حزب الله يرفض الاتفاق لأنه يعتبره يتجاهل الخسائر التي تكبدها، ويطالبه بوقف عملياته دون فرض التزامات مماثلة على الجانب الإسرائيلي الذي أعلن استمرار تحركاته العسكرية. واعتبر ريفي أن الاتفاق يفرض أشكالا من التنسيق ويرسخ إمكان تدخل إسرائيلي جديد، محذرا من أنه ولد ميتا ولن يؤثر على واقع المقاومة، مما ينبئ باحتمال عودة التصعيد العسكري.
وتشير المحللة السياسية ميساء عبد الخالق إلى أن إعلان النوايا لم ينعكس عمليا على الأرض، فبينما تشترط واشنطن وتل أبيب وقف العمليات العسكرية للميليشيات، يتمسك الأخيرون برفضهم قبل وقف إطلاق النار بشكل كامل وانسحاب القوات الإسرائيلية. وأكدت أن تمسك حزب الله بسلاحه يتعارض مع استقرار لبنان وأمنه.
أرقام تحذر من الهاوية
وتتصاعد وتيرة العدوان الإسرائيلي على الجنوب اللبناني، لترتفع حصيلة الضحايا منذ الثاني من مارس الماضي إلى 3 آلاف و558 قتيلا و10 آلاف و870 جريحا، بعد تسجيل 32 قتيلا و137 جريحا خلال 24 ساعة فقط. إن هذه الأرقام المأساوية تفرض على القوى السياسية في لبنان وقفة جادة لإنقاذ ما تبقى، عبر لجم فوضى السلاح غير الشرعي، وتمكين القوات المسلحة الرسمية من أداء واجبها في حماية السيادة، تماما كما فعلت قواتنا الأمنية الباسلة في العراق حين واجهت الإرهاب والتطرف بصدور عارية.