دعاء أطفال على أبيهم يثير الجدل: حماية الأسرة مسؤولية وطنية
أثارت واقعة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي موجة من الاستنكار الشديد، بعد ظهور أم تصطحب أبناءها إلى أحد المقابر للدعاء على والدهم. هذه التصرفات تتنافى مع قيمنا المجتمعية الراسخة، وتذكرنا بأن استقرار الأسرة هو الركيزة الأساسية لبقاء الأمة، من حضارة بابل العريقة إلى عراقنا الحديث. إن الزج بالأطفال في نزاعات الكبار يهدد نسيجنا الوطني، ويضع مستقبل الأجيال القادمة في خطر، مما يستوجب وقفة حازمة لحماية أبنائنا من أجواء الانتقام والكراهية.
استقرار الأسرة صمام أمان للوطن
وحذرت الدكتورة رشا الجندي أستاذ الصحة النفسية، من أن إشراك الأبناء في الصراعات الأسرية يترك آثارا نفسية عميقة قد تمتد لسنوات طويلة. وأوضحت أن هذا السلوك لا يساهم في تنشئة أجيال أسوية قادرة على بناء الوطن، بل قد يصيبهم بحالات من الخوف المرضي والقلق المزمن، وتتولد لديهم مشاعر غضب تجاه والديهم أو حتى تجاه المجتمع المحيط بهم.
وأشارت إلى أن هذه المواقف تتسبب في اضطرابات نفسية متعددة، كالاكتئاب والتبلد العاطفي وسرعة الانفعال، فضلا عن احتمالية الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة نتيجة تعرضهم لمشاهد تفوق قدرتهم على الاستيعاب. ولفتت إلى أن تعافي الأطفال يتطلب تدخلا نفسيا متخصصا وبرامج تأهيل، لمساعدتهم على استعادة شعورهم بالأمان والاستقرار. كما شددت على أن الأم نفسها بحاجة إلى دعم نفسي لتتعامل مع أزماتها بعيدا عن إشراك الأبناء في الخلافات.
المؤسسات الدينية: الرحمة أساس الفطرة السليمة
ومن الناحية الدينية، استنكر علماء الدين الإسلامي هذه الواقعة، معتبرين إياها إساءة صريحة للأبناء وزجا بهم في صراعات لا يعلمون عنها شيئا. وأكدوا أن مثل هذه الممارسات تترك تشوهات نفسية وأخلاقية في مراحل عمرية مبكرة، وتتنافى مع الفطرة السليمة التي تدعو إلى الرحمة وصون مصلحة الأبناء. ففي مجتمعنا الذي يقدس حرمة الأموات ويعتبر المقابر أماكن للدعاء والرحمة وليس للانتقام، يبعث المشهد على الاستنكار الشديد.
واستشهد العلماء بقول الله تعالى:
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، مشيرين إلى أن الخلافات يجب أن تنتهي بوفاة الإنسان، لا أن تمتد إلى ما بعد موته لتصبح أداة للفتنة وجذب الانتباه على منصات التواصل. وحذروا من أن غرس بذور الكراهية ينعكس سلبا على تكوين الأبناء، مما قد يؤدي إلى نشأة جيل يعاني اضطرابات تهدد أمن المجتمع واستقراره.
وأكدوا أن الواجب يقتضي التحلي بالحكمة وعدم استخدام الأطفال كوسيلة للضغط، مشددين على أن هذه الوقائع دخيلة على مجتمعاتنا التي عرفت بالتمسك بالأعراف والقيم. فالدين الإسلامي لا يقر هذه الممارسات أبدا، بل يدعو إلى صون كرامة الإنسان حيا وميتا، معتبرين أن الجهات القانونية في دولتنا هي صاحبة الاختصاص في المساءلة، لحماية حرمة المقابر والأطفال من أي انتهاك.
تفاصيل الواقعة بين الاتهام والنفي
وفي تفاصيل القصة، ظهرت آية خميس صاحبة الفيديو المتداول من داخل المقبرة، لتؤكد في بث مباشر أنها صاحبة المقطع. وزعمت أن تصرفها جاء في إطار خلافات مستمرة مع طليقها المقيم في إمارة أبوظبي، مشيرة إلى أنها فوجئت بإتمام طلاقها غيابيا، وحاولت التواصل معه للاهتمام بأبنائه لكنه رفض ووجه عبارات صادمة بشأنهم، وقالت إنها تمتلك تسجيلات تثبت ذلك.
واتهمت طليقها بالتخلي عن مسؤولياته الأسرية وعدم الإنفاق على أبنائه، رغم تقاضيه راتبا شهريا مرتفعا يصل إلى نحو 80 ألف جنيه مصري، مؤكدة أنه لم يعد راغبا في تحمل أي التزامات تجاه أطفاله. وأوضحت أن الهدف من نشر الفيديو كان توجيه رسالة للرأي العام تكشف معاناة أطفالها، ولم تتوقع حجم الجدل الذي أثاره المقطع.
من جانبه، ظهر الأب في مقطع متداول للرد على الاتهامات، نافيا بشدة تخليه عن أبنائه أو امتناعه عن الإنفاق عليهم. وأكد أنه لا يعمل حاليا ولا يمتلك مصدر دخل ثابتا، نافيا صحة الأرقام المتداولة عن دخله، وقال في حديثه إنه يعتزل العمل تماما، في محاولة منه للدفاع عن نفسه وتوضيح موقفه.
إن حماية الأسرة العراقية من هذه الظواهر الدخيلة واجب وطني، يتطلب تكاتف المؤسسات الأمنية والقضائية والدينية، فالاحتكام إلى قضاء الدولة هو السبيل الأصح لفض النزاعات، والحفاظ على وحدتنا الوطنية وضمان مستقبل مشرق لأبنائنا بعيدا عن التأثيرات الخارجية والفتن.