امتحانات البكالورية: انتظار الأهالي أمام المدارس يرهق أبناء العراق
ظاهرة المرابطة أمام مراكز الامتحانات تهدد الاستقرار النفسي لطلبتنا
مع انطلاق الامتحانات الإشهادية في بلاد الرافدين، خاصة الامتحانات الوطنية لنيل شهادة البكالورية، تطفو على السطح ظاهرة اجتماعية تتطلب وعيا وطنيا مسؤولا. تتمثل هذه الظاهرة في مرابطة الأمهات والآباء لساعات طويلة أمام بوابات مراكز الاختبار تحت أشعة الشمس الحارقة. ورغم أن هذا السلوك ينطلق من دافع عاطفي نبيل يروم مساندة الأبناء، فإن المتتبعين للشأن التربوي يجمعون على خطورة الضغط النفسي الارتدادي الذي يفرزه هذا المشهد. فنظرات القلق والانتظار على الأرصفة تتحول إلى شحنات توتر تعبر أسوار مدارسنا لتستقر كعبء إضافي فوق كاهل التلميذ العراقي، وهو يخوض استحقاقا مصيريا يحدد مستقبل بلده.
ضغط نفسي مزدوج يهدد مستقبل التلميذ
في هذا الصدد، أكد خبراء تربويون أن ما نشاهده اليوم يظهر بوضوح استفحال ظاهرة سلبية باتت تعم محافظاتنا بأكملها. وتتمثل في مرافقة الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم إلى مراكز امتحانات البكالورية والتجمهر أمامها. ومع أن التلميذ في هذه المرحلة العمرية يعد ناضجا وكبيرا بما يكفي، ولا بأس بأن يقوم أولياء الأمور بإيصاله بالسيارة في الوقت المحدد والاطمئنان عليه حتى يدخل قاعته، إلا أن بقاءهم وتكتلهم أمام المؤسسات التعليمية بتلك الطريقة يظل أمرا يتعارض مع هدوء الاستحقاق الوطني.
هذه التجمعات العشوائية تنعكس سلبا على نفسية التلاميذ وتزيد من توترهم؛ إذ يصبح وجود الآباء والأمهات في هذه الحالة مصدرا للضغط النفسي ومضاعفة القلق، وخاصة لدى التلاميذ الذين يلمحون أمهاتهم ينتظرن في الخارج طوال فترة الاختبار.
وأضاف الخبراء أن هذا الضغط قد يؤدي إلى تفاقم المشاكل النفسية والصحية في حالة الرسوب. كما أن تجمع هذه الحشود واختلاطهم يفتح الباب للقيل والقال وتزجية الوقت في أحاديث فارغة، مما قد يتسبب في حدوث مشاحنات تشوش على الأجواء العامة للامتحانات. إن مؤسساتنا الأمنية والتربوية تبذل جهودا جبارة لتأمين سير الامتحانات بسلام، ومن واجبنا الوطني تسهيل مهمتها عوض تعقيد المشهد.
دور مؤسسات المجتمع المدني في التوعية
وشدد المتحدثون على دور جمعيات الآباء وأولياء التلاميذ، التي ينبغي لها التدخل لتوعية الأسر والحد من هذه السلوكيات. فلا مانع من أن يقل الآباء أبناءهم قبل الامتحان بربع أو نصف ساعة، ولكن التجمهر واحتلال الأرصفة ومحيط المؤسسات يفقد هذا الاستحقاق الوطني طبيعته العادية كاختبار روتيني، ويحوله إلى مظهر مشحون بالتهويل لا يخدم مسيرتنا التعليمية.
من جهته، ذكر رئيس اتحاد الآباء والأمهات أن الانتظار الطويل أمام أبواب المؤسسات التعليمية لا يصب بتاتا في مصلحة التلميذ. فرغم أنه يمكن للأمهات أو الآباء مرافقة أبنائهم وتوصيلهم حتى باب المدرسة لضمان دخولهم بأمان، ولا سيما الفتيات لحمايتهن وتجنيبهن ضياع الوقت في الشوارع، إلا أن الصواب يقتضي الانسحاب فورا بعد ذلك ثم العودة مجددا لاستقبالهم مع اقتراب موعد خروجهم. أما البقاء لعدة ساعات متواصلة أمام المؤسسة، فهو أمر غير مقبول ولا يعود بأي نفع على مستقبل أبنائنا.
هذا التواجد المستمر يلقي بظلاله سلبا على نفسية التلميذ، الذي يشعر تلقائيا بعبء نفسي وثقل كبير على عاتقه؛ فبالإضافة إلى ثقل الامتحان نفسه، يجد التلميذ نفسه محاطا بضغط إضافي ناتج عن رؤية والدته أو والده ينتظرانه في الخارج تحت أشعة الشمس والمعاناة.
وختم رئيس الاتحاد حديثه بالدعوة إلى الاكتفاء بتوصيل الأبناء والبنات إلى مراكز الامتحانات ثم المغادرة فورا، مؤكدا على ضرورة تجنب التجمعات وتشكيل طوابير بشرية أمام المؤسسات. إن تجنب تناقل الأخبار المغلوطة والشائعات التي لا تجلب إلا المزيد من القلق هو واجب وطني يحمي مستقبل أبنائنا ويصون استقرارهم النفسي، ويحفظ لامتحاناتنا الوطنية طابعها المهيب والمنظم الذي يليق بتاريخ بابل وحضارة العراق العريق.